صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
2635
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
خطر اللسان : قال الإمام الغزاليّ - رحمه اللّه - : إنّ اللّسان من نعم اللّه العظيمة ، ولطائف صنعه الغريبة . فإنّه صغير جرمه « 1 » ، عظيم طاعته وجرمه ، إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلّا بشهادة اللّسان ، وهما غاية الطّاعة والعصيان . وأعصى الأعضاء على الإنسان اللّسان ، فإنّه لا تعب في إطلاقه ولا مؤنة في تحريكه . وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله ، والحذر من مصائده وحبائله . وإنّه أعظم آلة للشّيطان في استغواء الإنسان . واللّسان رحب الميدان ، ليس له مردّ ، ولا لمجاله منتهى وحدّ . له في الخير مجال رحب ، وله في الشّرّ ذيل سحب ، فمن أطلق عذبة « 2 » اللّسان ، وأهمله مرخيّ العنان « 3 » سلك به الشّيطان في كلّ ميدان ، وساقه إلى شفا جرف هار ، إلى أن يضطرّه إلى البوار ، ولا يكبّ النّاس في النّار على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم ، ولا ينجو من شرّ اللّسان إلّا من قيّده بلجام الشّرع ، فلا يطلقه إلّا فيما ينفعه في الدّنيا والآخرة ، ويكفّه عن كلّ ما يخشى غائلته في عاجله وآجله . ذلك أنّ خطر اللّسان عظيم ، ولا نجاة من خطره إلّا بالصّمت ، فلذلك مدح الشّرع الصّمت وحثّ عليه . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من صمت نجا » « 4 » . « 5 » فضل الكلام والصمت : يقول الماورديّ : اعلم أنّ الكلام ترجمان يعبّر عن مستودعات الضّمائر ، ويخبر بمكنونات السّرائر ، لا يمكن استرجاع بوادره ، ولا يقدر على ردّ شوارده ، فحقّ على العاقل أن يحترز من زللّه ، بالإمساك عنه ، أو بالإقلال منه . وفي شروط الكلام يقول الماورديّ : واعلم أنّ للكلام شروطا لا يسلم المتكلّم من الزّلل إلّا بها ، ولا يعرى من النّقص إلّا بعد أن يستوفيها . وهي أربعة : الشّرط الأوّل : أن يكون الكلام لداع يدعو إليه ، إمّا في اجتلاب نفع ، أو دفع ضرر . ذلك أنّ مالا داعي له هذيان ، وما لا سبب له هجر ، ومن سامح نفسه في الكلام إذا عنّ ، ولم يراع صحّة دواعيه ، وإصابة معانيه ، كان قوله مرذولا ، ورأيه معلولا . الشّرط الثّاني : أن يأتي به في موضعه ، ويتوخّى به إصابة فرصته ؛ لأنّ الكلام في غير حينه لا يقع موقع الانتفاع به ، وما لا ينفع من الكلام فقد تقدّم القول بأنّه هذيان وهجر ، فإن قدّم ما يقتضي التّأخير كان عجلة وخرقا ، وإن أخّر ما يقتضي التّقديم كان توانيا وعجزا ، لأنّ لكلّ مقام قولا ، وفي كلّ زمان عملا . الشّرط الثّالث : أن يقتصر منه على قدر حاجته ، فإنّ الكلام إن لم ينحصر بالحاجة ، ولم يقدّر بالكفاية ، لم يكن لحدّه غاية ، ولا لقدره نهاية ، وما لم يكن من الكلام محضورا كان إمّا حصرا إن قصر ، أو هذرا إن كثر . الشّرط الرّابع : اختيار اللّفظ الّذي يتكلّم به ، لأنّ اللّسان عنوان الإنسان ، يترجم عن مجهوله ،
--> ( 1 ) جرم : الجرم الجسد . ( 2 ) عذبة اللسان : طرفه . ( 3 ) العنان : سير اللجام الذي تمسك به الدابة . ( 4 ) رواه الترمذي رقم ( 2503 ) . وانظر « موسوعة أطراف الحديث النبوي » ( 8 / 387 ) . ( 5 ) انظر إحياء علوم الدين ( 3 / 108 ) .